

على مسافة أسبوع من نهاية المُهلة الممدّدة يكتنف الغموض الإنسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان، في ظل غياب موقف أميركي رسمي واضح من الإدارة الأميركية الجديدة بإلزام إسرائيل بالانسحاب الكامل الثلاثاء المقبل، بعدما كشفت وسائل إعلام غربية، أنّ رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو طلب من الرئيس الأميركي دونالد ترامب تمديد بقاء قواته 10 أيام إضافية لضرورات أمنية، بعدما سبق وطلب الأمر نفسه وناله. فهل يستجيب ترامب لـ»صديقه» نتنياهو هذه المرّة؟
ثمة رؤيتان لمقاربة هذا الأمر: الأولى تنطلق من أنّ جيش الإحتلال مصرٌ على البقاء في الجنوب للأسباب الآتية:
- الاحتفاظ بـ 5 مرتفعات حاكمة لأسباب أمنية - استراتيجية كونها تُشرف على كل الجنوب، ولا سيما منه القطاع الشرقي الأكثر التصاقاً بالمستوطنات الإسرائيلية، وتشكّل امتداداً حيَوياً وجغرافياً للجولان السوري المحتل وقمة جبل الشيخ، لتكتمل النافذة الاستراتيجية الإسرائيلية المطلّة على أربع دول عربية لبنان وسوريا وفلسطين والأردن.
- لا تستطيع الحكومة الإسرائيلية استيعاب تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار والانسحاب الكامل من غزة وجنوب لبنان في آنٍ معاً، الأمر الذي يُرتّب تداعيات كبرى على الجبهة الداخلية في إسرائيل، الذي يشاهد صورة الصمود على شاشات التلفزة في غزة وجنوب لبنان، على رغم من عام ونصف عام من الإبادة والتدمير ومحاولات التهجير، ما أجبر إسرائيل على قبول معادلة التساكن مع حركات المقاومة في غزة ولبنان، لذلك تستمهل الحكومة الإسرائيلية بعض الوقت لتتجاوز تداعيات تنفيذ مراحل الاتفاق في غزة من ثم تبدأ التطبيق في لبنان.
- على رغم ممّا يصفه الإسرائيليّون بـ»الإنجازات التاريخية» في لبنان باغتيال أركان قيادة «حزب الله»، إلّا أنّ هناك مناخاً في حكومة «تل أبيب» يعتبر أنّ الحرب فشلت في القضاء على الحزب، وهو قادر على ترميم جبهته ومراكمة عناصر القوة مجدّداً، ويعود بعد سنوات ليهدّد أمن إسرائيل كما حصل بعد حرب تموز 2006، ويتلاقى هذا الاعتقاد مع عدم اقتناع مستوطني الشمال بالضمانات الأمنية التي تقدّمها حكومتهم للعودة، وهذا ما يعبّر عنه رؤساء أقاليم المستوطنات في شكلٍ واضح ومستمر.
- الأهم هو أنّ البقاء في الجنوب مصلحة استراتيجية إسرائيلية وفق منظور مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي لا يزال نتنياهو يجاهر بالعمل على استكمال تنفيذ فصوله، وتأكيده أمس أنّ الحرب لم تنتهِ، وهذا المشروع بدأ بتدمير غزة ومحاولة تهجير أهلها وتهجير أهل الجنوب اللبناني وإسقاط النظام في سوريا واحتلال جنوبها وصولاً إلى العاصمة دمشق واستهداف العراق واليمن وصولاً إلى ضرب إيران.
أمّا الرؤية الثانية، فتستند إلى الأسباب الآتية:
- قرار ترامب بإنهاء الحرب في المنطقة وتطبيق اتفاقَي وقف إطلاق النار في غزة ولبنان كإنجاز للإدارتَين الحالية والسابقة، ولا يمكن الإطاحة بهما بالعودة إلى الحرب.
- تكوّن اقتناع أميركي مع الخبراء العسكريّين الإسرائيليّين الكبار بعدم قدرة إسرائيل جيشاً وجبهة داخلية على إكمال حروب الاستنزاف في المنطقة، ما يُهدّد بالتفكّك الداخلي للكيان بعد سنوات قليلة.
- رفض الدولة اللبنانية بكافة أركانها استمرار الاحتلال، وسط تحذيرات نقلها مسؤولون لبنانيّون لواشنطن بأنّ استمرار احتلال القوات الإسرائيلية لجزء من الجنوب سيُشرّع العمل الشعبي والعسكري المقاوم، ما يُحرج الدولة والحكومة العتيدة ويُشكّل نكسة للعهد الجديد.
- تحديد الحكومة الإسرائيلية الأول من آذار للبدء بإعادة المستوطنين إلى الشمال، بالتالي عودة الحرب لن تُمكِّنها من تحقيق ذلك، بل ستحصل عمليات تهجير جديدة من الشمال ويعاود إحياء جبهة اليمن أيضاً.
لم تكن زيارة الموفدة الأميركية للبنان مورغان أورتاغوس مُجرّد زيارة بروتوكولية للتعارف، ولا كانت مواقفها مجرّد تعبير عن إيديولوجيا كونها صديقة لـ»إسرائيل» ولا زلّة لسان أو خطأ ديبلوماسياً، بل كانت الزيارة الأهم لمسؤول أميركي في ظلّ الإدارة الجديدة، ومواقفها تعبير عن توجّه إدارتها ووزارة خارجيّتها بهدف تكريس موازين القوى الجديدة التي أفرزتها الحرب في المنطقة طوال العام الماضي... غير أنّ زيارة «المرجانة» حملت في طياتها رسائل ثلاثية الأبعاد:
- سياسية من بيروت: تصريحاتها من على منبر القصر الجمهوري في بعبدا عن «هزيمة» «حزب الله» وشكر إسرائيل على ذلك، والإيحاء بأنّ الحزب لن يتمثل في الحكومة، هي محاولة تظهير موازين القوى السياسية الجديدة كترجمة لموازين القوى العسكرية الجديدة في لبنان والمنطقة، وإنّ نفوذ الولايات المتحدة على الموقع الأول في الدولة وعلى العهد الرئاسي تعاظم كثيراً خلافاً للعهود الماضية.
- أمنية-عسكرية من الجنوب: تظهير أنّ الحرب الإسرائيلية على «حزب الله» حققت أهدافها، فالموفدة الأميركية تسرح وتمرح في الجنوب، وأنّ الجيش اللبناني يُسيطر على جنوب الليطاني ويُصادر صواريخ الحزب وأسلحته التي باتت تحت المجهر الأميركي عبر اللجنة الخماسية برئاسة الجنرال الأميركي في الناقورة، بالتالي لم يَعد البقاء العسكري الإسرائيلي في الجنوب ضرورة.
- جيوبوليتيكية: انتقال الموفدة الأميركية إلى «تل أبيب» عبر الحدود اللبنانية - الفلسطينية بمثابة رسالة عابرة للحدود تعكس تغيّراً جيوبوليتيكياً في المنطقة، يتماهى مع الحديث عن مشروع السلام الأميركي وإلحاق سوريا ولبنان فيه بعد السعودية.
تقصّدت الموفدة الأميركية نقل رسائل إدارتها إلى بيروت ومنها إلى الداخل الإسرائيلي السياسي والرأي العام، لتمهيد الطريق أمام الانسحاب الإسرائيلي من لبنان، وإزالة الخطر من الجبهة اللبنانية على أمن إسرائيل.
ولم يكُن محضُ مصادفة إعلان ولادة الحكومة اللبنانية قبيل 10 أيام من موعد الانسحاب الإسرائيلي في 18 شباط، لتكون ضماناً أميركياً إضافياً لكيان الاحتلال بأنّ هناك سلطة شرعية مكتملة المواصفات لضبط الحدود الجنوبية والشرقية مع سوريا، وضمان تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار والقرارات الدولية ذات الصلة، ما يدفع أميركا إلى إقناع إسرائيل بالانسحاب الكامل. ويتقاطع ذلك مع تقدير جهات غربية لـ«الجمهورية» بانسحاب القوات الإسرائيلية في الموعد المحدّد، لوجود قرار أميركي - فرنسي بوقف الحرب وتطبيق القرارات الدولية عبر الحكومة اللبنانية.
ويبقى أنّ إسرائيل ستتمسك، وفق هذه الجهات الغربية، بحرّية الحركة الجوية الإسرائيلية باستهداف مواقع أو تحرّكات عسكرية تابعة لـ«حزب الله» لضمان عدم ترميم نفسه، حتى تتمكن الدولة اللبنانية من حل مسألة سلاحه شمال الليطاني، وما الإعتداءات الجوية على الجنوب والبقاع في الأيام الأخيرة سوى تكريس لهذه المعادلة بعد 18 شباط.








