

معركة «حزب الله» الأشرس، حالياً، هي المعركة مع الوقت. ففي الأسابيع القليلة المقبلة، هو سيواجه مأزقاً وجودياً، بسبب الضغط الذي تمارسه الولايات المتحدة على لبنان، مباشرة وعبر إسرائيل. ولذلك، هو يحاول الإفادة مما بقي له من هوامش وقدرات، لعلّه يبعد هذه الكأس.
عندما أبرم المعنيون اتفاقاً على وقف النار، في تشرين الثاني الفائت، أراده كل منهم محطة للانتقال إلى وضع أفضل:
1- «حزب الله» كان منهكاً ولا يتحمّل القتال يوماً واحداً إضافياً، وأراد الاتفاق استراحة محارب لالتقاط الأنفاس.
2- إسرائيل «بكَّلت» الاتفاق، فربطته بالقرارات 1701 و1559 و1680، وامتلكت «امتياز» تنفيذ الاتفاق على طريقتها، وبالقوة، بمباركة أميركية. لكنها على الأرجح، خبأت أهدافاً أخرى توسعية، ترجمتها حتى الآن باحتفاظها بشريط من القرى المدمّرة في محاذاة الحدود.
3- الولايات المتحدة أرادت الاتفاق محطة في مسارها للسلام في الشرق الأوسط. وللتذكير، كان دونالد ترامب قد انتُخب في 7 تشرين الثاني 2024، أي قبل 20 يوماً من ولادة الاتفاق برعاية من إدارة جو بايدن.
أدرك «حزب الله» أنّ معركته باتت بالغة الصعوبة. وبعد سقوط بشار الأسد، في 8 كانون الأول، باتت شبه مستحيلة. ولأنّ المطروح عليه هو تسليم سلاحه، فقد قرّر المقاومة حتى النهاية، لعل الظروف تساعده فيقلّص حجم الخسائر.
راهن «الحزب» على 3 عوامل لاستعادة حدّ معين من قدراته المفقودة:
1- أن تبقى السلطة في لبنان طَوْعَ يديه، أي رئاسة الجمهورية والحكومة والمؤسسات الأمنية والقضائية الحساسة.
2- أن تبقى لحلفائه في سوريا قدرة على التحرك وتوريد السلاح والأموال من إيران، عبر الحدود شرقاً وشمالاً.
3- أن تتحسن العلاقات الأميركية ـ الإيرانية، ما ينعكس ليونة أميركية تجاه «الحزب»، وقبولاً إسرائيلياً بتنفيذ الاتفاق الحالي بالحدّ الأدنى من الطموحات، أي استعادة «الستاتيكو» الذي ساد الجنوب بين 2006 و 2023، عندما كان «الحزب» يمتلك هامش تحرك واسعاً هناك.
في النقاط الثلاث، جرت الرياح بما لا تشتهي سفن «الحزب»: فقد نشأت سلطة كاملة تتمتع باستقلالية نسبية. وأما خطوط التوريد من سوريا فتنقطع تدريجاً، ولا مؤشرات إلى أنّ واشنطن ستسمح لإيران باستعادة نفوذها الإقليمي، لا في لبنان ولا في سواه. وفوق ذلك، هي أبلغت إلى أهل الحكم في لبنان أنّ المهلة الممنوحة لتسلُّم السلاح من «الحزب» ليست مفتوحة، وأنّ التنفيذ مطلوب في مدى زمني «معقول». وهذا الطلب جعل الحكومة اللبنانية في وضع حرج جداً. و«الحزب» يدرك ذلك. ولذلك، لم يكن أمامه إلّا أن يحاول القيام بـ«شيء ما»، ولكن من خلال بيئته، لئلا يعرّض نفسه للإحراج.
أولاً، بادر «الحزب» إلى التحرك على الحدود اللبنانية - السورية في الهرمل، لعلّه ينقذ شريان الاتصال الحدودي. لكن النتائج جاءت معاكسة، إذ بات للجيشين اللبناني والسوري دور أكبر على جانبي الحدود.
وبعد ذلك، شهد الجنوب حادثة إطلاق الصواريخ على المطلة من منطقة تحاذي الضفة الشمالية لنهر الليطاني. وإذ نفى «الحزب» علاقته بالعملية، فإنّ بعض المحللين يعتقدون أنّ توقيتها وسياقها السياسي يرجحان أنّها على الأقل تحظى بتغطية «الحزب»، الذي دأب مسؤولوه وكوادره على التلويح بأنّ المقاومة ضدّ إسرائيل لن تتوقف ما دامت تحتل أرضاً لبنانية، وأنّ العمليات قد ينفّذها أي كان من أبناء البيئة المقاومة في الجنوب، من دون الحاجة إلى مشاركة «الحزب» مباشرة. ومن المنطقي أن تكون عملية إطلاق الصواريخ تندرج في هذا السياق. لكن ردّ إسرائيل العسكري جاء عنيفاً وواسع النطاق، وبالتهديد بعودة الحرب على مداها. والأخطر أنّها طرحت معادلة مرعبة: المطلة مقابل بيروت. وربما كانت ستترجم هذه المعادلة ميدانياً لولا التدخّل الأميركي. بل إنّها سارعت إلى القول: «لا يهمّنا الجدل حول هوية الذين قاموا بالعملية، ونحمّل لبنان المسؤولية عنها وسنردّ بقسوة».
على أرض الواقع، ما قام به «حزب الله» هو محاولة استكشاف الحدود مع سوريا ثم مع إسرائيل، من القصير وجرود الهرمل- عكار شرقاً وشمالاً إلى رأس الناقورة جنوباً، لعلّه يستطيع تغيير شيء في المعطيات والمسار الذي تتّجه إليه الأمور سريعاً. بل إنّه يستكشف «حدوده» هو، أي حدود اللعبة التي ما زالت متاحة أمامه. لكنه لم يحقق النتائج التي يرتجيها. ولذلك، سيكون عليه إما ابتكار خطط جديدة، وإما الرضوخ لمستلزمات الاتفاق الذي أبرمه هو نفسه مع إسرائيل، برعاية أميركية، بكل ما فيه من التزامات.
وعلى الأرجح، ما تقوم به مرجعيات الحكم هو أنّها تتجنّب المواجهة المبكرة الساخنة مع «الحزب»، ما دام خيار التسليم للدولة لم ينضج لديه. وهي تعتقد أنّ مسار الأمور سيدفع به تلقائياً إلى الوفاء بما تعهد به. وفي منطق أركان الحكم أنّ تحقيق هذه الأهداف بطريقة طوعية وسلمية ومضمونة، ولو استغرق ذلك أشهراً عدة، يبقى أفضل من مغامرة الاستعجال ومحاولة تحقيقها بأكلاف باهظة، علماً أنّ النتائج في هذه الحال ليست مضمونة.
رؤية الحكومة واقعية، وهي تنجح إذا لم يتبدّل اتجاه التطورات الإقليمية والدولية السائدة، وتحديداً، إذا لم تولد صفقة أميركية - إيرانية مفاجئة تعترف بنفوذ لطهران على خط التماس مع إسرائيل. وحتى الآن، ليس في الأفق احتمال لحصول أي صفقة من هذا النوع.





.jpg?w=260&h=190&fit=crop)

