أنا.. لستُ أنا!
أنا.. لستُ أنا!
عبد الغني طليس
Wednesday, 12-Jan-2022 06:09

(خلال فترة الحَجْر من الكورونا / ٢٠٢٠)

-١-
الوحدةُ اكْتمَلتْ بأنّي صرتُ أعرفُ
كيفَ أفقدُ نصفَ عقلي
رُبعَ عقلي
كلَّ عقلي
ثمّ أرجعُ للأملْ .

-٢-
والغربةُ اكْتمَلتْ بعائلتي وبي
والبيتُ قنبلةٌ تفجّرَ بعضُ ما فيهِ
وأُبقيَ بعضُ ما فيهِ
لأوقاتٍ
منَ المللِ الذي بعدَ المَللْ .

-٣-
الكونُ أسئلةٌ
وأجوبةٌ تمُطُّ لسانها
والعالَمُ المأمورُ بالجرثومةِ الخرقاءِ
يُقفلُ وجههُ
يُخْلي شوارعَهُ
ويطلقُ شارةً حمراءَ من تحتِ المطاراتِ الجريحةِ
أحكِموا الإغلاقَ
وانتبهوا فإنّ الموت خلف
البابِ
والإنسانُ أضعفُ مِنْ فراشةِ شارعِ الوردِ المحاذي…
ليسَ لِله اللطيفِ يدٌ بهذا القتلِ
فالإنسانُ حرّاقٌ وخرّاقٌ
ويحترفُ البكاءَ على الطّلَلْ .

-٤-
... والوقعةُ اكْتَملَتْ
بمكتبةٍ على طرَفِ السّريرِ
كأنّها للجاحظِ المرحومِ
أقصدُها وقد أهملتُها عمراً سعيداً
كنتُ أتركها لأيامٍ أريدُ لها أنا ألّا تجيءَ
وقلتُ أقرأُها غداً
والآنَ جاء غدٌ على مَتْنِ «الكورونا»:
يا دَواوِيناً منَ الشِّعرِ القديمِ بَداهةً
ومنَ الحديثِ بلاهةً
ومنَ الروايةِ
مِنْ أقاصيصِ الطفولةِ
حينَ ليلى ناوَرَتْ كالذّئبِ
ليلى لم تكنْ تلك التي فُتِنَتْ بقيسٍ.. بل سِواها،
والسياسةُ لوّنَت أظفارَها لِتُمِيلَني
كتُبٌ.. على ورقٍ تحَوّلَ
كلُّها رفعَتْ أصابعَها.. لأطلبَها
أنا المتروكُ لاسْتلهامِ أفكاري
منَ التاريخ والحِكَمِ الرشيدةِ والحَوَلْ !

-٥-
والصّدمةُ اكْتمَلَتْ
وذاكرتي تُعِدُّ الشايَ للماضينَ
كي يأتوا فنشرَبهُ
على شرفِ الهوى الباقي
وكانوا أقرَبَ الناسِ الذين تحَدَّروا
في الأرضِ
مِنْ معنى العَسَلْ.
-٦-
... والدّوْخةُ اكْتمَلَتْ
وفي المقهى غُبارٌ فوقَ طاولةِ الشبيبةِ
والصّداقةُ أسْبَلَتْ كَتفينِ
وانْحنَتِ المفاصِلُ
فالجميعُ تخيّلوا طبقَ «الكورونا»
عابراً قُدّامَهُمْ
فتَسَرْبَلوا وتفرّقوا مُتَعَطّلينَ
وحاذروه إلى سهولٍ أو ملاجىءَ أو جبَلْ.

-٧-
سألَ «الكورونا» عنكَ يا هذا
لقد فَرّ الجميعُ
كأنّهُ ناموسُ يومِ الحشْرِ جاءَ:
تلاطُمٌ بين الصدورِ
وبالوجوهِ
وهَدْأةُ الأقلامِ تعلنُ أنها
منذُ الصباح اسْتَسلَمَتْ
لا فارسٌ يعلو.. ولا ينجو بطَلْ.

-٨-
كلُّ الجهاتِ: المطبخُ
الصبحُ.. الظهيرةُ.. والعشاءُ
وبينَها الوقتُ الذي ما بينَها
صار الطعامُ إلَهَ أهلِ البيتِ
نأكلُ؟
نكسبُ الأوزانَ؟
نُبهجُ أنْفُساً تهوَى الأطايبَ والمعايبَ
ثمّ تندمُ..
أيّها الأكلُ الشّهيُّ إرْأفْ بنا
في الجاهليةِ صنّعوا صَنَماً من التمْرِ الذي
أكلوهُ يومَ الجوعِ
هذا جوعُنا المَوروثُ منِ عهدِ الجَمَل.

-٩-
لا،
لستَ في سجن لتسقطَ في العِللْ
في السجنِ أنتَ مُحطَّمٌ
ومُخلّع الأبوابِ
مستَندٌ إلى أضغاثِ شُبّاكٍ بقرْبِ السقفِ
أمّا حيثُ أنتَ فإنها الدنيا
وعفواً شابَها مرضٌ
سَتحضنُها بملءِ يديكَ لكنْ بالمؤجَّلِ
فابتسامةُ قلبكَ ارْتحلَتْ إلى أجلٍ يحومُ
على منَاحاتِ الدُّوَلْ.

-١٠-
جاري المُرَفّهُ
كان جاري
ثمّ أصبحَ كالغريبِ مسافراً
ما بيننا كانت «مراحبُ»
أو حديثٌ في الزيارةِ
فانهزمْنا..
غَلّ في نظراتنا عصَبُ الوجَلْ
زمنُ «الكورونا»
مرَّ مِنْ تحتِ النُّخاعِ
وكالعصافيرِ انتَقَلْ.

-١١-
ضجَرٌ يخاطبُ نفسَهُ
ضجَرٌ يداعبُ نفسَهُ
ضجرٌ يقلِّدُ نفسَهُ
فأسوقُهُ
ويسوقُ بي سيّارتي لنغيّرَ الأجواءَ
نعبُرُ شارعاً أو شارعينِ
فنمتَلي ضجَراً منَ الصمتِ الذي
بينَ الشوارعِ
ثمّ نرجعُ خائبَينِ إلى الفراغِ بما حَمَلْ.

-١٢-
عُدنا إلى التلفازِ
ما هذا المسلسلُ سَلسلوهُ فزادنا ألَماً
وما هذا الحوارُ عن السياسة ما لهُ رَبٌّ
هربنا مِنْ قناةٍ أضجَرتنا
صاغرينَ
إلى قناةٍ أضجَرَتنا
والجميعُ يبثُّ أخبارَ الوباءِ
وكيف أيامٌ منَ الحَجْر اللئيمِ
تزيدُ في كشفِ اكتئابِ الناسِ بالوسواسِ
والدنيا تفتشُ عن تَسَالٍ في بروجِ الحظِّ
مِنْ أعلى إلى أدنى
وقد فرّتْ منَ الروزنامةِ
الشمطاءِ..
هل ما زال في ما بينها بُرجي الذي
ألْقَيتُهُ في اليَمِّ مكتوفاً وقلتُ لهُ
ألَا سلِّمْ على ما قد حصَلْ !

-١٣-
لا شيءَ في الإثنين، في الثُلَثاءِ
أو في الأربعاءِ
وذاكَ يومُ الجمعةِ المحسودُ
قبل السبتِ والأحدِ
انتهتْ أيامنا..
أينَ الخميسُ ؟
هلِ اخْتَفَى وانْسَلَّ مِنْ ديباجةِ الأسبوعِ
مِنْ طُولِ الكسَلْ؟.

-١٤-
يا مَنْ يُذكّرُني بأيّامي التي رقّمتُها
كي لا أضيعَ ولا تضيعُ
فجاء «كورونا» وبدّدَنا معاً
عبدُ الغنيِّ أمِ الخميسُ أنا؟
وماذا يفعلُ الأسبوعُ ناقصةٌ مَراثيهِ
وناقصةٌ أغانيهِ
ويَحكُمهُ «هُبَلْ»؟

-١٥-
هذا اختِناقٌ للضميرِ
بأنْ يُساقَ الكهْلُ للإعدامِ
كي يبقى الفَتى
ويُقَصُّ جذعُ الكرمةِ الشمّاءُ
كي تحظى نباتاتٌ بفرصةِ عَيشِها
ما دامَ يبدو مستحيلاً أنْ يظلَّ الكلُّ أحياءً
لعَمري إنّها لطْخُ الرّمادِ على الأُنوفِ
وإنّ شيئاً مِنْ قَتَامِ الفحمِ في الأَحكامِ
يُقبِلُ كي يكونَ لنا مَثَلْ !

-١٦-
الوحدةُ اكتمَلَتْ
أنا في البيتِ منسيٌّ
وَرِجْلي فوق رِجْلِي
وانكسارٌ كاملٌ:
هاتوا «الكورونا» كي أُعانقَهُ
عِناقَ الراحلينَ على عَجَلْ !

theme::common.loader_icon