«التدمير» جنوح حسيّ متجاوز إلى عالم الجسد
«التدمير» جنوح حسيّ متجاوز إلى عالم الجسد
نسرين بلوط
Wednesday, 24-Nov-2021 06:22
تحتاط الكاتبة الفرنسية مارغريت دوراس في كتابها «التدمير» من التشتّت الذاتي الذي توشك أن تنغمس فيه وهي توجّه سردها إلى الحيّز المسرحي الذي يقوم على ركيزة الحوار المتبادل الشبيه بالسيناريو، مهمّشةً إيقاع الحدث ومفصحةً عن لغةٍ انسيابيّة بسيطة تلج طيّات الأرواح المزدوجة المآرب التي تحبّ وتكره في نفس الوقت، ولكنّها تضيع بين صناعة القصّة وتحويرها إلى الجانب السوريالي الذي يلجأ فيه القارئ إلى التكهّن والتبرير.
 

فكتاب «التدمير» يحتوي على قصّتين، الأولى بعنوان «الرجل الجالس في الرواق» وقد وصفت من خلالها مشهداً حسيّاً يضطرم بمشاعر الجسد المتأجّجة بين امرأة تتمدّد في الحديقة ويشتعل جسدها توقاً، ورجل يراقبها من داخل الدار ثمّ يخرج إليها ليمارسا الجنس، ونفسه تضجّ بالرّغبة المتجاوزة حدّ المعقول، لتجيء الكلمات متكلّفة غير متكاملة تهمل الخيال البصري إهمالاً تامّاً وتقفز من ضفّة الشهوة إلى ضفّة الذروة من دون أن تحسب حساباً لخدش مشاعر القرّاء خاصّة المحبّين منهم والذين يسمون بالحبّ إلى صفوة الفضيلة، فتصبح ممارسته بالنسبة إليهم نقيصة من نقائص الغرام وليس العكس، لما تضمّن وصف الكاتبة من مفردات تغالي الواقع ولا تطال الخيال، فتجنح في الأدب الأيروتيكي أو الإباحي حدّ التجاوز الوصفي اللامنطقي، ولكنّها تختم النصّ بجمل رومانسيّة تضيف رقيّاً على هذا الجوّ الطائش الذي زلزلته النزوات، وتصبّ في غير موقعها حين تقول: «أرى أنّ اللون البنفسجيّ يصل، يبلغ مصبّ النهر، وأنّ السماء مغطّاة، وأنّها تتوقّف أثناء جريها البطيء نحو المدى الرّحب. أرى أنّ أشخاصاً آخرين يشاهدون أيضاً الرّياح الموسميّة الصيفيّة تهبّ وتتلاشى أمام أنهارٍ تحيط بها حقول الأرز الدامسة، قبالة مصبّات واسعة وعميقة، ومن اللون البنفسجي أرى عاصفة صيفيّة تصل، أرى أنّ الرجل يبكي وهو راقد فوق المرأة، لا أرى شيئاً منها سوى الجمود. أجهل ذلك، لا أعلم شيئاً، لا أعلم إن كانت نائمة».

 

هذا الاستحواذ الضمنيّ على المشهد برمّته من خلال زجّ شخصيّة الكاتبة في منتصفه هو تصنيفٌ للأنا التي تمرّرها من خلال منبرها لاشعوريّاً، ربّما لإحساسها الذاتيّ بوجوب تحريك شخوص القصّة وفق مزاجها وتصوّرها بما ينطبق على داخلها من مشاعر. فلا تكتفي بالإضاءة على غيرها بل تشمل نفسها أيضاً.

 

في القصّة الثانية «التدمير»، صديقان يستجمّان في فندق وهما ماكس وشتاين، يراقبان امرأة تتمدّد على كرسيّها طوال اليوم نصف نائمة، ثمّ تأتي زوجة ماكس والتي يحبّها الإثنان لتتعرّف الى المرأة الأخرى والى زوجها الذي يوافيها لاحقاً، وينشأ حوار طويل بينهم يتضمّن أفكاراً فلسفيّة سطحيّة، وترنو أبصارهم جميعاً نحو الغابة المواجهة للفندق والتي تملأ أفئدتهم بالرعب والتوجّس من المجهول، وترمز بهذا إلى الغيب المريب الذي يرصد الإنسان مهما حاول توخّيه وتجاهله، فتمعن في الغموض المكتنف للقصّة، وتترجم بعضاً من سوداويّة أفكارها في هذه العبارة: «يلقي ماكس برأسه على الكرسي، تطول فترة الراحة وتصبح البحيرة الرّماديّة التي صنعها الشفق حالكة السواد، لم يكتمل انتشار العتمة إلّا عندما بلغت أوجها، وها هي بقوّتها الجمّة وبسموّ عذوبتها تتسلّل إلى داخل الفندق».

 

هذا الفندق هو الحياة المؤقّتة التي يعيشها الإنسان قبل أن ينتقل إلى عالم الموت، كأنّ بعثه حيّاً مراده سكرات الموت الخالد، متأثّرة بخطى نيتشه وتصوّره العميق عن معنى الحياة عندما قال: «إننا نكفّر عن ولادتنا مرة أولى بحياتنا ومرة ثانية بموتنا».

 

مارغريت دوراس صُنّفت من طراز الكاتبات الحاضرات في الذاكرة، اللواتي تمرّدن على قيود الجسد وانغمسن في التعبير التلقائيّ في الوصف، وقد تحدّت قيود المجتمع الذي كان يحاصر المرأة في أيّامها بأغلالٍ خانقة، فلم تجنّد قلمها في الإبداع بقدر ما زخرفت حكاياها من لمسات التحرّر المفرط، وتركت جلاء المعنى للقارئ لينجرف في يمّها المتلاطم رغبة متّقدة لا تخبو حتّى مع أنفاس الحبّ المنصهر بين جسدين، فكأنّ الجسد قرين الروح ومرقدها الأخير، ولكنّها تفنّنت في ابتكار أسلوبٍ أنثويٍّ مُغرٍ في عالم الكتابة النسويّة المتنوّع الآفاق والمتشعّب الآماد، لتمحي الحمرة التي خلّفتها شمس الحياء في نفوس الكثيرات ممّن حلمن بالحبّ العذري أو الإحساس الفطريّ الذي يجذب الفتاة لرجلها بشكلٍ خاص.

theme::common.loader_icon