جميل إذلال السلطة!
جميل إذلال السلطة!
اخبار مباشرة
جوزف طوق
جريدة الجمهورية
Tuesday, 29-Jun-2021 06:07

السلطة لم تخسر في انتخابات نقابة المهندسين... السلطة تبهدلت، أُذِلَّت، إنفضحت، وبانت هشاشتها وتفاهة تحالفاتها، وتخبّطت السلطة مجتمعة بكامل أحزابها وتياراتها أمام مجموعة من المهندسين الأحرار، الذين انتفضوا ورفضوا، فنفضوا النقابة.

 

كان المشهد في انتخابات نقابة المهندسين يوم الأحد سوريالياً صباحاً وكوميدياً مساءً. فمن يرى وضع البلد وحجم التعطيل فيه بسبب الاختلافات السياسية العلنية بين الأفرقاء، يكاد لا يصدّق أنّ نفس هؤلاء المتخاصمين تحالفوا في لوائحهم الانتخابية سرّاً. ومن كان ليتخايَل مثلاً أن يجد مرشّحين مشتركين بين لائحتي «حزب الله» و«القوات اللبنانية»، ودزّينة من الأسماء بين تيار «المستقبل» و«حزب الله» أيضاً. هذا عدا عن تحالف حركة «أمل» و»التيار الوطني الحرّ»، والقوات والحركة، والتيار والمستقبل... يعني باختصار، إبتدعت السلطة كبّاية كوكتيل شقف إكزوتيك من الحجم الكبير، وخلطت الأفوكا مع ليّة الخروف، ووضعت له عصير زيت سيارات، وزَيّنته بالمسامير، ولم تترك خلطة غريبة عجيبة في مجرّة «درب اللبنانة» إلّا وخفقتها في هذا الكوكتيل، ودفعت الحساب مسبقاً وكانت مستعدّة أن تشربه حتى تحافظ على سطوة الفساد من المؤسسات إلى النقابات، لكنها غصّت بنقابة تنتفض... فكان هذا المشهد السوريالي صباحاً.

 

أمّا بعد الظهر، انكبَّ الكوكتيل على قميص السلطة، فاتّسخت بألوان ممزوجة غصباً، ولم تجد منبراً يسترها لتغتسل بميكروفوناته، فأصبحت أضحوكة للأوراق البيضاء الناصعة التي كُتب عليها بالحبر الأزرق الواضح ضمير شابّات وشبّان قرّروا أن يهندسوا انتفاضة في نقابتهم، أساساتها رفض قاطع بصوت ساطع لكلّ القرف الذي تتركه هذه السلطة أينما حلّت وكيفما حكمت وتحكّمت.

 

والمضحك المضحك، عندما انسحبت الأحزاب مذلولة من ساحة المعركة الشريفة على صوت الضحك والقهقهات. ورُفِعَ الفائزون والفائزات على الأكتاف، وارتفعوا الواحد تلو الآخر كطوابق بناية جديدة، شبابيكها مفتوحة على مستقبل واعد، وأبوابها مشرّعة أمام الوافدين إلى غدٍ لا يعلو فيه صوت السلطة على صوت الحريّة.

 

إنتفض المهندسون وفازوا بـ220 مندوباً ومندوبة من أصل 283 بعد أن حصدوا أكثر من 78 في المئة من الأصوات، فاكتسحوا قوى السلطة برئاسة 3 فروع من أصل 4 فروع أساسية، ولم تظفر الأحزاب بالفوز سوى في «فرع المهندسين الموظفين والمتعاقدين في الدولة»، أي في المكان الذي يطغى عليه التوظيف السياسي. وربما اختارت القوى المنبثقة من 17 تشرين أن لا تضع ثقلها في هذا الفرع بالتحديد، خوفاً من تهديد مصالح زملائهم وزميلاتهم الذين سيخسرون وظائفهم التي يعيلون من خلالها عائلاتهم، فهم إن تجرّأوا على معارضة السلطة سيجدون أنفسهم عاطلين عن العمل في اليوم التالي، في بلد تصعب فيه لقمة العيش على الجميع سواسية.

 

إنتصار القوى المعارضة في نقابة المهندسين لن يقضي على الفساد ولن يصلح قطاع الكهرباء، ولن يحسّن من نوعية حياة المواطن اللبناني، لكنه بلا شكّ يضخّ كميّة مهولة من الأمل في الشارع المأزوم، ويؤكّد لكل المشكّكين أنّ الاتحاد في صفوف المعارضة يُؤتي ثماره في الأهداف الصغيرة، وبالتأكيد من بعدها الكبيرة والمصيرية. واستطاع هذا الانتصار أن يفضح أحزاب السلطة التي تختلف من أجل مصالحها، وتتّحد من أجل مصالحها، وتقتلنا من أجل مصالحها، وتسرق أموالنا من أجل مصالحها، وستفعل أي شيء حتى لا نحصل على شيء من مصالحنا.

 

وفي وسط كل هذا الوجع، كم هو جميل إذلال السلطة... ولا بدّ أن نتذكّر في أول استحقاق قادم أنّ أحزاباً مسلّحة، وأحزاباً تمتهن الفساد منذ سنوات، وأحزاباً متسلّطة وفاجرة ووقحة، وأحزاباً ترعد وعوداً وتمطر أكاذيب... أحزاباً بمئة لون ومئة وجه تكعبلت على أول «درجة» في سلّم مبنى الدولة التي يتمّ هندستها على مقاس حقوق المواطن وليس جشع السلطة.

theme::common.loader_icon