جحش الدولة!
جحش الدولة!
جوزف طوق
Thursday, 24-Jun-2021 06:06

إذا كانت قوّة السيارات تُقاس بعدد الأحصنة في محرّكاتها، فلا شكّ في أن قوّة الدولة اللبنانية، أو بالأحرى ضعفها، تُقاس بعدد الجحاش فيها...

 

وهذا التوصيف الذي يراعي تماماً حقوق الحيوان والإنسان، ليس المبتغى منه أبداً التقليل من احترام أي سياسي أو مسؤول لبناني، سابق وحالي، والأهم أن الهدف منه ليس إهانة الجحش بشكل خاص.

 

بدأت قصّة «جحش الدولة» عام 1964 عندما لم يتمكّن أهلنا من إيجاد ترجمة لبنانية حرفية لكلمة «اتوبوس» الفرنسية أو «باص» الانكليزية، فأطلقوا تسمية «جحش الدولة» على الحافلات التي بدأت تقلّ الناس في العاصمة بيروت وضواحيها. واستمرّت التسمية المُلبننة حتى عام 1975، عندما ظهر صنف آخر من «جحش الدولة» الذي فظّع في الحرب الأهلية، فقتل الناس واغتال معها «جحش الدولة» الأصلي وبدأ يستعمله كنوع من المتاريس والدشم في شوارع بيروت. وإذ بـ»جحش الدولة» الذي كان ينغل في شوارع العاصمة المليئة بالحياة، والذي ربط شرقها بغربها ونقل أهلها وزوّارها، وعرّف الغرباء على أحيائها وشوارعها وميادينها... إذ به يستلقي مرغماً «بالعرض» على جنبه في شوارع بيروت، ليقطع أوصالها ومواصلاتها ويفرّق أهلها، ويصبح غصباً عنه شاهداً على مشاويرهم المبتورة، قسم من ناحية إطاراته وقسم من ناحية سقفه.

 

مرّت الأيام، ومرّت المجازر والويلات، وانتهت الحرب الأهلية، وجاء الإعمار، وتمّ انتشال جثث «جحش الدولة» من شوارع العاصمة، ثم ووريت الثرى إلى جانب القطار والترامواي في مدافن العائلة في مصلحة سكك الحديد والنقل المشترك. وأصبحت المصلحة مليئة بجثث الآليات وفارغة من الخدمات، مثلها مثل الدولة تماماً التي فرغت من كلّ شيء لتبقى مصلحة «جحش دولة» عصري، رَسنه كرافات وحدوته حذاء لمّيع، ومعلفه من خيرات بلادنا وشقى عمرنا.

 

القصّة طريفة وبسيطة... قبل اختراع السيارات كان الشخص الذي يملك جحشاً يُعتبَر محظياً، إذ كان يدلّ ذلك على حسن حاله، يذهب ويجيء، يزور قرى مجاورة وبعيدة، يبيع ويشتري ويحمّل بضائع على ظهر جحشه. وبعد اختراع الطائرات، لا يمكن اعتبار دولتنا محظية، على رغم امتلاكها عدداً لا يستهان به من الجحاش المفلوتة. وإذا كان ميسور الحال يركب على الجحش قديماً، بات «جحش الدولة» هو الذي يركب على ظهر الدولة وعلى ظهرنا... يشرّع ويحكم وينظّر ويخطب ويسرق ويقتل وينهب ويتاجر بمقدرات الدولة وبحقوقنا... وكلّما شهنق يجد من يصفّق له.

 

ومع احترامنا الشديد للجحش، ومع احترامنا الكبير للسنوات الطويلة التي أمضاها في إعانة أجدادنا على العيش في وعورة لبنان، والذي ساندهم في أيام فقرهم وشقائهم... يصعب علينا تسمية بعض من الكائنات التي حكمت وما زالت تحكم لبنان بـ»جحش الدولة»، لِما فيها من استحقار لهذا الحيوان اللطيف والخدوم.

 

فلو حكمت جحاش أجدادنا واستلمت منصباً في هذه الدولة، أو حقيبة وزارية أو إدارة رسمية، لما تمكّنت مع كلّ جَحشنتها من التفظيع بخيرات هذا البلد كما فعل مسؤولونا وحكّامنا.

 

هذه الجحاش التي كان أقصى أحلامها مرجة خضراء ترعاها في الربيع أو كمشة شعير غنية في عزّ الشتاء، كانت لتكون لديها كفاءة أكبر في إدارة ملفّ الكهرباء وعدم هدر المليارات في الوعود والكذب المُمنهج. بالتأكيد كانت جحاش أجدادنا ستعرف كيف تملأ السدود الفارغة أكثر من حاملي الشهادات المستوردة من أكسفورد وهارفارد. وكنّا بحاجة لضمائر جحاش زمان لتحمينا من هذا الجحيم الذي أوصلنا إليه شياطين السياسة وجحاش الدولة.

 

الله يرحمك يا جدّي ويرحم جحشك، ورزق الله على إيام ما كان كلّن عندن سيارات وإنت عندك حمار، وتركّبنا خلفك وتاخدنا مشوار... لأننا أصبحنا نعيش في زمن كِترو فيه كتير الحمير، مركّبينا خلفن وآخدينّا عالمِهوار.

theme::common.loader_icon