«ألف شمسٍ مشرقة» حكاية جهنّم يوم الحشر العظيم
«ألف شمسٍ مشرقة» حكاية جهنّم يوم الحشر العظيم
نسرين بلوط
جريدة الجمهورية
Monday, 07-Jun-2021 06:31
رغم الضجّة الإعلاميّة التي أحدثتها رواية «ألف شمسٍ مشرقة» للكاتب الأفغاني خالد حسيني، ممّا جعلها تتربّع في صدارة الكتب الأكثر مبيعاً، إلّا أنّ البنية الهيكليّة السرديّة لها تخضع لأوتارٍ غير مدوزنةٍ، تقرع على ربابة الملل والتَكرار، وتشيع جحافل الظلام في نفس متلقّيها، فكأنّ الأملَ المفقود ممنوع، والإطلالة على حلول محذوفة من تاريخ أبطال القصّة، والخنوع القاتل هو المسيطر على محور الحدث من بداية القصّة وحتى نهايتها، وإنّه ليتسنّى للمتلقّي اختصار صفحاتٍ مطوّلة من الحكاية، دون أن يغيبَ عنه أيُّ تحوّلٍ جذريّ أو تنوّعٍ مفصليّ، فالبدايةُ تبشّرُ بالنهاية منذ السّطر الأوّل، والقسوة الصارخة الصارمة ترشقُ الأرواحَ بحجارةٍ من رحى القهر واللامنطق.
 

الجوّ السياسيّ القهريُّ إنسانيَاً واجتماعيّاً ودينيّاً هو الواعز الرئيسيّ لكتابة حسيني لهذه الرواية، إذ يتدرّج بها من مراحل الحكم المتباينة التي شهدتها أفغانستان، بدءاً من الغزو السوفياتي والحرب الأهليّة بين المجاهدين وحتى سيطرة طالبان الوحشيّة على البلاد وتبعيّاتها الحارقة والموجعة على أهل وطنه وخصوصاً على نسائها وما لحق بهنّ من تعنّتٍ أقسى من السابق، فقد تنوّع الاستعمار فيها والموت واحدٌ لهنّ، وما يظهره الكاتب أنّ الأقسى وجعاً هو أن يضحك الانسان حتى تظهر نواجذه بدموعٍ من الوجع اللامحتمل، كما فعلت سيّدات هذه الحكاية المبعثرة على نواصي التشتّت وموانئ القهر.

 

اللامنطق

 

اذن، اللامنطقيّة هي الجوّ المسيطر على الرواية، إذ لا انبهار فيها ولا تشويق متسلسلاً، والجمل المطوّلة هي التي تبثّ شرارات التململ، وتحكي قصّة مريم «ابنة الحرام» التي أنجبتها أمّها من جليل، صاحب القصر الذي كانت تعمل لدى زوجاته الثلاث كخادمة، فانزوى بها بعيداً عنهنّ وبنى لها بيتاً عبارة عن حجرة قذرة في أرضٍ منعزلة بعيدة عن مدينة «هارات»، يرسل لها أبناءه شهريّاً لتزويدها بمؤونة الشهر الغذائيّة، ويزور طفلته مريم أسبوعيّاً، دون أن يعترف بها رسميّاً أو يصطحبها في نزهة أمام أعين الناس.

 

ورغم هذا الاجحاف بحقّ الطفلة، تقبل على أبيها بشغفٍ واحتواء، وترفض باستنكار كلام أمّها عنه، وما روته لها عن جحوده وقمع زوجاته لها عند علمهنّ بأمر حملها، إذ قالت لها يوماً: «قلب الرجل مثير للأسى، إنّه مثير للأسى يا مريم، إنّه ليس كرحم الأم، إنه لا ينزف الدم، لن يتوسع ليصنع لك منزلاً، كما إبرة البوصلة تشير إلى الشمال، فإنّ أصبع الرجل يجد دائماً امرأة ليتهمها، تذكّري ذلك يا مريم !»، حتى تبلغ الخامسة عشرة من عمرها وتذهب لزيارة أبيها دون علم أمّها، لتُطرد من بيته بعد أن يُعلمها السائق بأنّ عليها الرحيل، فيصفعها الألم الذي لم تتوقّعه من أبيها، وعند عودتها تُفاجأ بأمّها وقد أقدمت على الانتحار من خلال شنق نفسها.

 

يصطحبها والدها جليل الى منزله مضطرّاً بعد موت والدتها، لتقوم زوجاته بتزويجها في خلال أقلّ من أسبوع واحد، برجل يكبرها بسنوات كثيرة يدعى رشيد يعمل كصانع أحذيّة لرجال الدولة والأغنياء، وهو أرمل فقد زوجته ومات طفله غرقاً في البحيرة، ويصطحبها للعيش معه في «كابول».

 

شرّ مسيطر

 

في البداية يعاملها رشيد برفقٍ ولين، ويبدي لها نوعاً من الإهتمام لم تحظ به في منزل أمّها أو في حضن أبيها، ولكنّه بعد حملها وإجهاضها السريع، يتحوّل إلى ذئبٍ يتّقد بشرارات الغضب والشر المستطير، فيقوم بضربها وإيلامها وجلدها لأتفه الأسباب، حتّى تصبحَ جاريةً سقيمة له، ترتدي الخمار بأمرٍ منه وتتجوّل في منزلها كالغريبة التي لا سقف يحتويها ولا صدر يضمّ أحزانها غير الصمت المطبق الكثيف.

 

ينتقل الكاتب فجأة بعد مرور أكثر من عشرين عاماً إلى منزل جارة مريم التي تقطن في الجهة المقابلة، وهي سيدة متزوّجة من مدرّس، وقد استشهد ولداها في الحرب الأهليّة الأخيرة، وبقيت لها طفلتها ليلى التي لم تتجاوز السادسة عشرة من عمرها، وقد ربطتها علاقة غير شرعيّة بجارها طارق الذي يكبرها بسنواتٍ قليلة، ولكنّه رحل مع أهله خلال الغزو الأخير، مضطرّاً إلى باكستان، وأودى انفجار صاروخٍ في منزلها إلى القضاء على حياة والديها فبقيت وحيدة، وخوفاً من التشرّد والضياع تعرض عليها مريم أن تقيم لديها لتضمّد لها جراحها وتأويها من الشارع.

 

يستغلّ رشيد الفرصة ليعرض على ليلى الزواج رغم اعتراض مريم، متعلّلاً بعدم قدرة الأخيرة على إنجاب طفلٍ له طوال تلك السنوات، فتوافق ليلى بعد أن تكتشف بأنّها حامل من طارق الذي تناهت إليها شائعات عن موته، فتخاف على جنينها من الضياع وتلجأ إلى الخديعة وتنسب الطفل إلى رشيد.

 

في البداية يشوب علاقة مريم بليلى توتّرٌ ومقتٌ ونفور، ولكنّ الصداقة تجمعهما بعد هذا، فتبوح مريم لليلى بأسرار طفولتها وتقرّ ليلى لها بأنّ طفلتها عزيزة التي أنجبتها حديثاً ليست من صلب رشيد.

 

جوع وتهديد

 

بعد مرور سنوات تتعرّض فيها المرأتان للضرب والتعنيف من قبل الزوج الذي يستطير غضباً من عزيزة، لأنّها بنت وليست ذكراً، ولا يشعر بعاطفة الأبوّة تجاهها، تنجب ليلى مولوداً ذكراً يلقّبه «زلماي»، ويغدق عليه كلّ عاطفته المكبوتة ويستدين الأموال الطائلة ليبتاع له الألعاب الباهظة الثمن، والتلفاز الذي ندر وجوده في أفغانستان بعد تفشّي الحركة الطالبانيّة التي منعت كلّ وسائل التواصل عن المنازل، فيغرق في الدين، وتحلّ الطامّة الكبرى عندما يُدمّر محلّه بالكامل جرّاء صاروخٍ يسقط قربه.

 

تتعرّض العائلة بعد هذه الكارثة للجوع والتهديد بالموت، فيضع رشيد الطفلة عزيزة في الميتم، حتّى تخفّف من وطأة مصاريفهم، رغم دموع وتوسّل ليلى له بأن يبقيها بقربها، وقد تعلّقت أيضاً بمريم التي رعتها كطفلتها، وبعد فترة كما يحدث عادة في الأفلام السينمائيّة، يظهر طارق حيّاً يُرزق، وتخبره ليلى بأنّ عزيزة هي ابنته الشرعيّة، ويعلم رشيد بأمر لقائها به، فيحاول خنقها وتنقذها مريم بصعوبة بعد أن تقوم بقتل رشيد حتى تردعه عن تنفيذ جريمته.

 

المشهد النهائيّ في القصة دخول مريم السجن، ومنحها الحريّة لليلى كي تعيش ما حُرمت منه، وتتزوّج من طارق وتربّي طفليها مع الرجل الذي منحها الحبّ والحياة من جديد.

 

مشاهد دراماتيكيّة بالغة الكثافة تحوم حول الحكاية وتحبك ملاءة داكنة السواد، فلا يرى المتلقّي إلّا مشاهد التعنيف والذبح والدماء والقتل. ربّما أراد الكاتب من خلال عكسه لبيئته أن يجلو عن مراياها الغبار ويوحي برسالةٍ تحمل في طيّها معاناة شعبٍ رزح تحت فجور القمع والتعسّف لعقود طويلة، وكانت أولى ضحاياه النساء، وقد استعان بشخصياتٍ توضح هذا الجور والدمار الحاصل فيها، ولكنّه فاض أكثر من الحدّ، وتمادى في التأويل والترويع. وعكس الكاتب عتيق رحيمي الذي يختصر الجمل في إفادة جميلة، كان مطوّلاً في العبارات مجازفاً في المؤشّرات السرديّة، ففقدت الرواية الكثير من جوانبها الفنيّة الجميلة، ولم تترك الأثر المطلوب في ذهن القارئ.

theme::common.loader_icon