الباعوث الهندي
الباعوث الهندي
دكتور جان توما
موقع الجمهورية
Monday, 03-May-2021 11:22

تَذْكُر من الهند ما شاهَدْتَهُ في الأفلام السينمائيّة من لوحات رقص جماعيّة، فرحًا أو حزنًا، فيما تعاين البؤس الذي تشوبه ابتسامة الأمل في عيون مذبوحة، وشرايين نافرة من أجساد هزيلة.كان الخروج من صالات السينما مُرَافَقًا بدمع مدرار من مآقي المشاهدين. بعضهم يسترسل في حالة الاندهاش من عالم يسوده الفقر، وعالم تسكنه الأساطير والمعابد الواسعة، وبعضهم يقلّد انحناءات الرقاب البشريّة تحية بضمّ الكفّين البسيطتين.

 

ما يجري اليوم في شوارع الهند يعلن تمكّن الوباء من الأعواد النحيلة. اقتنصها كقطيع سيق إلى الذبح. تكرّ المشاهد الموجوعة حقيقيّة، في زمن هنديّ غاب عنه الفرح وإيقاعات الموسيقى وابتسامات الوجوه وبريق الأمل في العينين. حين تشدُّ الرحال إلى الهند تشعر كأنك تفتح كتاب قصص المغامرات. تعيش في تناقض الحياة. أنت في الفندق في عالم خيالي، ولكنك في الشارع تكتشف الحياة الواقعيّة الفجّة. 

 

في أيام ذاك الاسبوع الأخير من عام ٢٠١٧ اخترقنا، بشوق، شوارع دلهي الغارقة في غمام التلوّث. كانت الكمامة سيدة تنقّلاتنا، وكأنّه تدريب على ما نعيشه اليوم. يخترق الباص جموع الناس المسالمة، المفترشة الأرصفة بأعين حائرة، المكتفية بالقليل من الطعام الذي يصنع على عجل، المنتشر على عربات خشبية متنقّلة، فيما تسجّل ذاكرتك الشوارع القديمة المتهالكة والأعمدة الضخمة وعظمة بناء "تاج محل" وغيره من معابد ضخمة لا تنتهي أروقتها. طاف بي درّاج في الأزقة العتيقة، بين جموع البائسين الذين لم يك ينقصهم إلّا الوباء ليلتهمهم، كما تلتهم الغيوم أسراب السنونو الضعيفة. تتلوّى القامات الليّنة، اليوم، وجعًا، تتهاوى كما الحضارات عند كلّ شهقة فقير، أو أنين تائه على أرصفة هذا العالم القاسي المتشاوف.

 

تئن اليوم الهند، بلد المليار إنسان. غزاها الفيروس وانتشرت فيه المحارق. زادت الجراح جرحًا يسقي أرض المغامرات حكايات جديدة. ماذا تقول الفيلة اليوم في غياب المغامرين؟ وماذا يقول بائعو التذكارات الخفيفة لركاب الباصات عن نتاجاتهم الحرفيّة؟ متى تعود الوجوه المتلالئة كحبّات العنب في داليات آسيا؟ من يُنزل جسد الهند، المطعون بحربة الوباء، والمطفئة ظمأها بالمرّ والخل، عن خشبتها، ويعمّدها بماء نهر الغانج لتتجلّى بهيّة مع طاغورها وغانديها ومساكينها الطريّة أعوادهم؟

 

نغنّي الهند، وجعًا ونبضًا، كما نغني لـ"هند" القصائد العربية شوقًا وحنينًا. ستعود الخطوات الهنديّة الإيقاعيّة المرحة، وستعود الدمعة إلى مآقيها. تبقى بساطة أهل الهند وعفويتهم سبيل الناهدين إلى حياة السكينة والرحيل بصمت.

theme::common.loader_icon