آلام الوطن وقيامته
آلام الوطن وقيامته
دكتور جان توما
Friday, 30-Apr-2021 06:13

هو اسبوع الآلام، وقد امتدّت أيامنا مؤلمة شهورًا طوال. التحفَ الجياع أرصفة المدينة، وتمدّد المرضى عند مداخل المستشفيات، فيما يعكف الشباب على توضيب حقائب السفر. كم اختبأ صديقي، مرات ومرات، وراء عمود صالون الوداع في مطار بيروت، كي لا ترى ابنته دمع حزنه لسفرها، فيما تراه اليوم ينشر ابتسامته شاكرًا لأنّ ابنته مهاجرة إلى دنيا الله الواسعة.

 

تبدّلت الأحوال وتغيًرت. قست تكاليف الحياة وطغت وبغت وتكبّرت وتجبّرت. كلٌّ يطوي ليله على جوع؟ لا إفطار ولا سحور. فقط سجدةٌ فَرِحة، وابتهالٌ دامعٌ، ودعاءٌ وترجّ. من يسمع صراخ الصائمين من قوت «لا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِى مِن جُوعٍ». وحدها رِكَب المؤمنين لا تعرف شبع السجود، ووحدها الجباه تحمد الالتصاق بالأرض لتصير سماء. أيّ ظلّ يربّت على كتف الساجد رضى؟ وأيّ ظلّ يساعده في النهوض؟ «يَوْمَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ».

 

صارت الناس تحادث نفسها. تتلمّس ليراتها التي ما عادت تؤمّن كأس حليب، أو لقمة خبز، أو حبّة دواء. ما لمنكسري القلوب يقصدون نافذة سيارتك وأنت تستجدي ليتر بنزين؟ الموقف نفسه، أنت تطلب قطرة لسيارتك لتذهب إلى عملك، وهم يطلبون كسرة خبز لأولادهم. صرنا نسعى في المجهول، نبحث عن قوت مفقود، ودواء مقطوع، ووجه ابن أو ابنة أو حفيد خلف البحار. خرج الجياع إلى العراء، والعطاش ملأوا القفار، «مَن مِنكُم إِذا سأَلَهُ ابنُهُ رَغيفًا أَعطاهُ حَجَرًا»؟ لماذا يصير رغيف الخبز اليوم بحجم الكون؟ وحبة التمر المشتهاة في بدء الإفطار بحجم الدنيا؟ هل يخفّف الشعور بالآخر في زمن الصيام من وجع القلوب المنكسرة ورفرفة الأجنحة المتكسرة؟ من يقسم رغيفه إلى نصفين؟

 

من يخرج «إلى ساحاتِ المدينة وشوارعِها ويأتي بالفُقراءِ والكُسحانِ والعُميانِ والعُرجان»؟ من يخرج «إلى الطُرُقِ والأَماكِنِ المسيَّجةِ، ويرغِمْ مَنْ فيها على المجيء، حتى يمتلئَ بيته، ولا يذوقَ عشاءه قبل أُولئك المدعوِّين»؟

 

ما عاد سائغًا القول: لو يعود البلد كما كان. صار المطلوب أن يصير البلد أفضل مما كان. ما عاد الوطن الذي ورثناه قابلاً للتوريث لشبابنا. إنّهم يريدونه كما يشتهون، عادلًا، متوازنًا، مواطنوه في مساواة. يريدون وطن أحلامهم، لا منصّة سفر وهجرة ورحيل. والله ما عادت خارطة العالم تسع دموع الوداع، ولا حكايات مناديل السفر. كأنّ الوطن رصيف إبحار، يرمي الأحبة في البحار السبعة ومواويل الشوق التي لا قرار لها.

قُم، أشعل قنديل قلبك كي يلحظ نوره التائهون فيهتدون و»يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشي».

theme::common.loader_icon