«بنات حوّاء الثلاث» رواية تلوذُ بإسم كاتبتها
«بنات حوّاء الثلاث» رواية تلوذُ بإسم كاتبتها
نسرين بلوط
جريدة الجمهورية
Wednesday, 07-Apr-2021 05:51

روايةٌ فارغةٌ من كلّ الإلتماسِ الوجداني والانغماسِ الخيالي أو الانفعال الواقعي أو حتّى المرايا البيئيّة والإجتماعيّة. هكذا تفرضُ عليها رواية «بنات حوّاء الثلاث» لأليف شافاك، تبنّي الفحوى الذي نقلته إلينا عبر 600 صفحة عبارة عن حواراتٍ لا جدوى فيها، وتفاصيلَ سبقتْ إليها الروائيّين الكلاسيكيّين الذين تميّزوا بالإطالةِ الرتيبة، للتعبير عن الضعف الحبيس في بدايات تكوين القصّة بشتّى أنواعها.

تبدأ الرواية بحادثٍ اختلقته الكاتبةُ لشدّ انتباه المتلقّي، عندما كانت بيري تقود سيّارتها مع ابنتها المراهقة لحضور حفل عشاء، وقد أدّى الإزدحامُ المروريّ الكثيف إلى تعرّضها لعملية سرقة من قِبل متسوّلين، ما دفعها إلى ركن سيّارتها جانباً تاركةً ابنتها في داخلها والجري وراءهم، حتّى واجهت زعيم العصابة الذي بدا منتشياً وهو يتناول المخدّرات وهمَّ باغتصابها، ولكنّ وجه طفلٍ سماويٍّ صغير تجسّد لها في عباب السماء وسط غمائم داكنة، أمدَّها بالقوّة، فضربت الرجل ضرباً مبرحاً واستردّت منه أشياءها بمساعدة ابنتها التي هرعت إليها لتفقّدها، وعثرت على صورةٍ فوتوغرافيّة على الأرض تناثرت مع أشياءِ أمّها فخبّأتها.

 

الماضي الأليم

 

عند وصولهما الحفل، يهبُّ زوج بيري قلقاً لاستقبالهما، وخلال العشاء تطرحُ عليها ابنتها سؤالاً عن الصورة التي وجدتها وضمّت ثلاث فتيات ورجلاً واحداً.

 

تجيبها الأمّ بأنّ الصورةَ تعود لها عندما كانت تدرس في جامعة أوكسفورد، والفتاتان الواقفتان بقربها هما صديقتاها شيرين ومنى، أمّا الرجل فهو الأستاذ المحاضر آزور.

 

تغتصبُ بيري لحظاتٍ من الذكريات في مخيّلتها وهي تجالسُ الناس في حفل العشاء، لتحلّقَ بتفكيرها بعيداً نحو الماضي. فتستعيد جوَّ طفولتها المشحون بالتوتّر والمرارة، لأنّ الصراع بين والديها جعل منها طفلةً متردّدة، مذبذبة العواطف، لا تعرفُ كيف توجّه مصيرها أو تتنبّأ بقدرها أو تكتشف هويّة ميولها.

 

فوالدها كان سكّيراً يتّخذُ من الكأس نديماً وخليلاً، يستخفّ بتعاليم الأديان، ويكافحُ ليثبتَ لأمّها المتديّنة بأنّ الله موجودٌ ولكن بغير توجّهها الحازم والصارم في الإلتزام، وأنّ الطبيعةَ هي الناموسُ الذي سنّه الخالقُ مرجعاً، ويتوجّبُ على الجميع الرجوع إليها، وكانت تطلّعاته وآراؤه تثير حنقَ والدتها وتفجّر غيظها المتأجّج، فتندفع لمهاجمته واتّهامه بالكفر والتأثير سلباً على أطفالهما، فتزيدُ من الغزل على منوال الدّين، والتشبّث بأفكار التلبّس والأرواح والعين والشرّ المستطير من عالم الجن.

 

وقد فقدت بيري أخاها عندما سُجن بتهمة الشيوعيّة، أمّا أخوها الثاني فقد ترك المدرسة في سنٍّ مبكرة، وكانت توجّهاته تطلّ من بصيرةٍ أورثته إيّاها أمّهما، فنظر إلى من حوله من خلال أفكاره المتعصّبة نظرةً ذكوريّة بحتة.

 

نجاح مذهل

 

تمرّ الأيّام وتكبر بيري وتحقّق نجاحاً مذهلا في المدرسة، ممّا يؤثّر في والدها ويدفعه لإرسالها إلى الخارج، وتحديداً إلى جامعة أوكسفورد، لمتابعة تحصيلها العلمي، حيث تلتقي بشيرين، الفتاة الإيرانيّة المنفتحة، التي تقحم نفسها في عالم العصر وتتقمّص شتّى وجوهه وممارساته الجسديّة والمعنويّة وتتجنّح نفسها بمتعتها. ومنى، الفتاة المصريّة المحجّبة، التي تختار الإسلام لها ديناً ومرشداً في حياتها الجامعيّة، فتلعلعُ أعمالها بالخير والرّشدِ والإتّزان.

 

محاولة انتحار

 

تلتحق الفتيات الثلاث في صفّ الأستاذ الوسيم آزور، الذي يعطي دروساً عن الرب وسبل الشكّ واليقين إليه، ليطرحَ تساؤلات طلّابه في قالب التجلّي، ويضعها موضعَ الكشف والبرهان والإثبات. فتقع بيري في غرامه ويتجسّد لها اهتمامه بها إيحاءات عشقٍ وتلميحاتٍ لرغبته فيها، ولكنّ مشاعرَها تحترقُ في آتونِ الغيرة، عندما تكتشفُ أنّه يطارحُ صديقتها شيرين الغرام ويقيم معها علاقة جنسيّة، فتشعر بأنّه سحقها بازدراء، وتحاول الإنتحار، ولكنّها تنجو وتعود إلى بلادها، بعد أن رفضت تبرئته من الشكوك التي لحقت به من قِبل إدارة الجامعة بسببها، وأدّت إلى إقصائه عنها.

 

سرد مملّ

 

يخطرُ في بالها خلال الحفل التواصل مع صديقتها شيرين. ونغوص مع شافاك في سردٍ بالغ الملل، فتتّصل بها، ولدهشتها تعاملها الأخيرة بلينٍ ورفق، وتعطيها رقم آزور لتهاتفه بعد مرور عشرين سنة على الحادثة وتعتذر منه. وتأتي النهاية وهي تغوص في مكالمةٍ شيّقة حافلة بالنقاشات الميتافيزيقّية مع أستاذها، محشورةً في خزانةٍ للملابس، بعد أن اقتحم ملثّمون الحفل واحتجزوا الضيوفَ رهائن، فاختبأت فيها.

 

قد يكمنُ تأثيرُ الناقدُ السلبيُّ على الكاتب في أنّه يضعه في حيّز القداسة عند نجاح عملٍ له، فيأخذه الغرور ويبدأ في نبذ الحواشي الفنيّة لعمله، وينعكس اعتدادُه اللامتناهي في تأويلِ مشاعرِه الخاصّة وتقديمها كبرهانٍ قاطع دون نقاش، والميل إلى حشوِ الكلام وتجزيئه تجزيئاً دائريّاً، يعودُ إلى حيث يبدأ، وهكذا دواليك.

 

لم تستطع شافاك أن تكرّسَ أفكارها في إيضاح معالم الثورة والنقد في داخلها إزاء مجتمعها، كما فعل الكاتب الروسيّ «فيسارون بلنسكي»، الذي انتقد أحكام الكنيسة والرواية الرومانسيّة، خصوصاً في عمله «رسالةٍ إلى غوغول»، بل تشتّتت وانشغلت بتحبير صفحاتٍ كثيرة تنتقد فيها الدّين دون مرجعيّةٍ ثابتة، وتحلّل عاداتٍ واهية تسودُ بيئتها، دون تحديد نقاط الضعف فيها، وتخلو من خميرة الإبداع الذي ينضِج الحدث.

 

أرض خاوية

 

رواية «بنات حوّاء الثلاث» نبتت في أرضٍ خاويةٍ من المشاعر، لا دِفْق فيها ولا عِبق، كالوردةِ تحيا برتابةٍ على نبضِ الفصول وتتاليها، ولم تسعفها مخيّلة الكاتبة، وقد ازدحمت بمراتعَ خصبةٍ للتقلّبات السياسيّة المختلفة في تركيا والدينيّة، مع بعض العادات والتّقاليد البالية، دون صفٍّ منطقيٍّ أو ترتيبٍ ضمنيّ. وهي روايةٌ تلوذ بإسم كاتبتها، لأنّها تأخذ وهجها من أعمالها السابقة، ونجاحها في رواية «قواعد العشق الأربعون» التي كانت مرجعاً لاقتباساتٍ وانتماءاتٍ صوفيّة أكثر منها روائيّة.

 

وهي تنتمي إلى فنّ الخاطرة والتحليل الذاتي، وقد حشرتها الكاتبة في إطار «القص» دون أحداثٍ مفصليّةٍ تُذكر، بل بالغت بأن وضعت عنواناً مخالفاً لمضمون القصّة، عندما ركّزت على بيري كبطلةٍ للرواية، ولم تذكر صديقتيها شيرين ومنى إلّا بشكلٍ هامشيٍّ وعارض.

 

أليف شافاك لم تستطع أن تمتلكَ مفتاحاً ذهبيّاً تفتح به مقصورة من مقصورات الفنّ القصصي، ولم تلجْ أرواحَ المتلقّين، بل عوّلت على اسمها لنجاحٍ وتألّقٍ وهميٍّ ارتطم بصلابةٍ فولاذيّةٍ لجدران الملل بنشازٍ بالغ الأثر.

theme::common.loader_icon